شاء الله تعالى ألّا يختار رسولًا أو نبيًّا إلى قومٍ من الأقوام أو أمّةٍ من الأمم إلّا ويكونوا في الأصل ومن قبل مبعثهم من أحسن الناس في قومهم وأرفعهم نسبًا وخُلقًا وأشرفهم نفسًا، وكذلك كان النبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام؛ حيث كان من أوسطهم نسبًا أي أعلاهم مكانةً وأرفعهم قدرًا، مترفّعًا عن النواقص وسيء الأخلاق، شريفًا في نفسه،[١] وقد امتدح الله تعالى نبيّه لعِظم أخلاقه فقال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"،[٢] وتاليًا بيانٌ لما عٌرف به النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- من لقبٍ قبل بعثته وأبرز خصاله.


لقب النبيّ قبل البعثة

عُرف النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بين قومه قبل بعثته بالصّادق الأمين؛ فقد كان مشهودًا له بالصدق لم يُعهد عليه كذبٌ، ومعروفًا بالأمانة ووفاء الحقوق لأصحابها؛ فأمّا شواهد صدقه، فمن ذلك ما أجاب به أبو سفيان هرقلَ ملك الروم حين سأله عن النبيّ رغم معاداة أبي سفيان وقريش للنبيّ ودعوته: "فَهلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ؟ قُلتُ: لَا"،[٣] ومن الشواهد الدّالة على أمانته أنّ قريشًا كانت تحفظ ودائعها عنده، ومن شدّة حرصه على حفظ الأمانات ورد الحقوق لأهلها عليه الصّلاة والسّلام؛ ما كان منه عندما أذن الله تعالى بالهجرة وأراد الخروج إلى المدينة المنوّرة، ترك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في مكّة المكرّمة؛ حتى يُعيد الأمانات والودائع التي عنده إلى أصحابها.[٤][٥]


ألقاب النبيّ بعد البعثة

وردت جملةٌ من أسماء النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- في عددٍ من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبويّة بعد بعثته، وهذه الأسماء ليست أعلامًا أو أسماءً تعريفيّةً؛ بل ألقابٌ لصفاتٍ موجودةٍ في النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- توجب مدحه وتؤكد كماله وما جاء به من مهامّ النبوّة، ومن هذه الأسماء: أحمد؛ وهو اسم النبيّ محمد الذي سمّاه به المسيح عيسى -عليهما السّلام- كما جاء في قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ"،[٦] والماحي والعاقب والحاشر والمقفّي ونبي الملحمة؛ وهي أسماءٌ وألقابٌ خاصّةٌ بالنبيّ محمّد لا يُشاركه فيها أحدٌ من الرسل والأنبياء عليهم السّلام، كما روي عن النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- قوله: "أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي، الذي يُمْحَى بيَ الكُفْرُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ علَى عَقِبِي، وأنا العاقِبُ والْعاقِبُ الذي ليسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ"،[٧] وللنبيّ محمد أسماءٌ وألقابٌ أخرى يشاركه فيها سواه من الأنبياء والرسل عليهم السّلام؛ كرسول الله ونبيّ الله، وعبد الله، المبشّر، والنذير، والشاهد، ونبي الرحمة، ونبيّ التوبة، وإن اعتُبرت كلّ صفةٍ وُصف بها النبيّ -عليه الصلاة والسّلام- اسمًا ولقبًا له؛ لتجاوزت أسماؤه المئتين؛ فممّا ورد من أوصافه: الصادق المصدوق، والشافع والمشفّع، وسيد ولد آدم؛ كما قال عن نفسه عليه السّلام: "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".[٨][٩]


المراجع

  1. محمد أبو زهرة، خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، صفحة 71-74. بتصرّف.
  2. سورة القلم، آية:4
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سفيان بن حرب، الصفحة أو الرقم:4553، صحيح.
  4. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، صفحة 662. بتصرّف.
  5. راغب السرجاني (24-09-2017)، "الخطة النبوية في الهجرة"، قصة الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 17-08-2021. بتصرّف.
  6. سورة الصف، آية:6
  7. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جبير بن مطعم، الصفحة أو الرقم:2354، صحيح.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2278، صحيح.
  9. ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، صفحة 84-86. بتصرّف.