معجزة سيدنا هود

أيّد الله -سبحانه وتعالى- جميع أنبيائه بالمعجزات الدّالة على صدقهم، والتي كانت تناسب حال الأقوام التي يُبعثون فيها؛ وتأكيداً على ذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِنَ الأنْبِياءِ مِن نَبِيٍّ إلَّا قدْ أُعْطِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ...)،[١][٢]وقد نصّ القرآن الكريم صراحةً على معجزات عدد من الأنبياء، إلا أنّ الله -سبحانه- لم يُبيّن معجزة النبي هود -عليه السلام- بصريح العبارات والآيات الكريمة.


وإنّما تمت الإشارة إلى ذلك بقوله -سبحانه- على لسان قوم عاد: (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)،[٣] حيث طلبوا منه بيّنات ودلائل تُثبت صدق نبوته، وما يُنذرهم به، وذلك حتى يتركوا عبادة أوثانهم، ولقد ذهب بعض المفسرين إلى أنّ معجزة هود -عليه السلام- عند بعثته لعلّها كانت في وعده لهم بكثرة الأرزاق، والأولاد، ووفرة الزّرع والخصب؛ بحيث لا تنالهم معها النكبات ولا المصائب.[٤]


وبهذا تكون هذه المعجزة خارقة للنّعم التي اعتادتها الأمم من قبلهم؛ ولكنهم جحدوا بذلك، وزعموا أنّ هذه الآيات والمعجزات لم تكن وفق أهوائهم ومقترحاتهم؛ فقال -سبحانه- في ذلك: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)،[٥][٤] وقيل إنّ معجزة النبي هود -عليه السلام- لمّا كانت خفيّةً غير ظاهرة جادله قومه فيها، وأنكروها.[٦]


هود عليه السلام

يذكر أهل السير والتراجم والأنساب أنّ نسب سيدنا هود -عليه السلام- يعود إلى النبي نوح -عليه السلام-؛ فقيل هو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح -على أنبياء الله أتمّ الصلاة والتسليم-؛ وقد ابتعثه الله -تعالى- بعد هلاك عاد الأولى، التي كفرت بالرسل والأنبياء التي بعثهم الله -تعالى- لهم.[٧]


وقد كان هود -عليه السلام- واحداً من قبيلة عاد الثانية؛ فهو أخوهم كما وصفه القرآن الكريم؛ عارفاً بأحوالهم، ودينهم، وإشراكهم، وعبادتهم، وآلهتهم، يدرك لهجاتهم ولغاتهم، وواقعهم؛ فتجلّت حكمة الله -تعالى- بإرساله إليهم لتوحيده، وترك عبادة الأوثان، والتذكير بالنعم والإكرام؛ وترك الظلم والطغيان.[٧]


قوم هود عليه السلام

يُعرف قوم هود -عليه السلام- بقوم عاد، وهي قبيلة عربيّة من العرب العاربة، سكنت جنوب جزيرة العرب؛ في منطقة تُسمى بالأحقاف كما ذكرها القرآن الكريم، وقد أنعم الله -تعالى- على هذه القبيلة بطيب العيش، ورغد الحياة، فأقاموا الحضارات، وظهروا بأكثر المظاهر المتحضرة؛ فقد ذكر المؤلفون في حضارة عاد أنّهم:[٨]

  • كانوا يُشيدون المباني العالية، والقصور الضخمة؛ التي تمدّهم بالقوة، وتسهل عليهم معيشتهم؛ وقد قال -تعالى- في ذلك على لسان نبيّه هود: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ).[٩]
  • كانوا يتنعمون بالزروع والثمار الكثيرة، والبساتين الواسعة؛ نتيجةً وفرة المياه، وسيل الأنهار التي أكرمهم الله -تعالى- بها؛ فكثرت الدواب والأنعام، وتنوعت مظاهر الحياة عندهم؛ وقد قال -سبحانه- في معرض تذكيرهم بهذه النعم: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ* وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ).[١٠]
  • تفرّدوا بحضاراتهم وعمرانهم؛ حتى عرفت مدنهم واشتهرت؛ قال -تعالى-: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ).[١١]
  • امتازوا بقوة الجسم، وطول القامة، وضخامة البدن.


ولكنّهم مع كل هذا الإكرام؛ جحدوا وكذبوا، واستكبروا، واتخذوا الأصنام من بعد قوم نوح -عليه السلام-؛[٨] وتذكر المؤلفات أنّهم أقاموا على ثلاثة أصنام؛ كانت تُدعى صداء، وصمود، والهباء؛ وقد عتوا عن أمر الله -تعالى-، وجعلوا من النعم سبيلاً للطغيان والغرور؛ حتى أخذهم العذاب الشديد.[١٢]

المراجع

  1. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:152، صحيح.
  2. منقذ السقار، دلائل النبوة، صفحة 105. بتصرّف.
  3. سورة هود، آية:53
  4. ^ أ ب ابن عاشور، التحرير والتنوير، صفحة 98، جزء 12. بتصرّف.
  5. سورة هود، آية:59
  6. عبد الرحيم الطحان، خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان، صفحة 13، جزء 99. بتصرّف.
  7. ^ أ ب أبو جعفر ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري، صفحة 216، جزء 1. بتصرّف.
  8. ^ أ ب أحمد أحمد غلوش، دعوة الرسل عليهم السلام، صفحة 79-80. بتصرّف.
  9. سورة الشعراء، آية:128-130
  10. سورة الشعراء، آية:132-134
  11. سورة الفجر، آية:7-8
  12. مجموعة من المؤلفين، مجلة جامعة أم القرى، صفحة 288، جزء 12.